Header AD

التطرف في محبة الأبناء



KBAA -- المحبة تعني التوازن، فلا بدَّ من التحدث عن التطرف في درجات المحبة الذي يمكن أن يكون ظاهرة غير صحية للصغير، إن انعدام المحبة كلياً (الرفض) يحطمه عاطفياً ونفسياً وربما جسدياً، ومعروف منذ عشرات السنين أن الطفل الذي لا يجد من يحبه ويداعبه ويلمسه ويقبله، غالباً ما يموت، والأدلة على صحة ذلك هذا الخبر الذي حدث في أوائل القرن الثالث عشر، عندما أجرى فريديك الثاني اختباراً على خمسين طفلا، أراد الملك أن يعرف اللغة التي يتخاطب بها الأطفال، فيما لو لم تتح لهم فرصة الاستماع إلى كلمة واحدة مقولة، ولإنجاز هذا المشروع أوعز إلى المرضعات أن يغسلن الأولاد ويرضعنهم شرط أن لا يداعبنهم أو يلاطفنهم أو يتحدثن أمامهم، لكن الاختبار لم يكتب له النجاح لأن الأطفال الخمسين ماتوا جميعاً، وتشير مئات الدراسات الحديثة إلى أن علاقة الأم بطفلها في السنة الأولى من حياته هي على ما يتضح ذات شأن كبير في بقاء الطفل على قيد الحياة، فالطفل غير المحبوب هو في الواقع أكبر مأساة في العالم كله.

وفي حين أن انعدام المحبة له أثره المتوقع على الأولاد، فمن الشائع جداً أن الإفراط في المحبة أو (المحبة الزائدة ونعني به الدلال) يفسد تربية الأولاد، وإن الكثيرين من الآباء يركزون آمالهم وأحلامهم وأشواقهم على صغارهم، والنتيجة الطبيعية لهذه الفلسفة هي المبالغة بالعناية بالجيل الجديد.

إن الأم المغالية تجد من الصعب عليها أن تسمح لولدها بالقيام بمخاطرات معقولة، تلك المخاطرات التي هي تمهيد ضروري للنضوج، كذلك فإن المشكلات المادية تبلغ حدها الأعلى في العائلة التي يكون فيها أحد الأبوين أو كلاهما محتاجين مادياً إلى أولادهما، وعدم النضوج العاطفي طويل الأمد من الثمار الأخرى المتكررة للمغالاة في الحماية والرعاية.

ولا بد من الإشارة إلى أن الاختلاف في توزيع أدوار المحبة بين الوالدين، بحيث يتعامل الوالد مثلاً بحزم وقسوة مع أولاده، أما الأم فتحاول أن تعوضهم عما يفقدونه من حنان والدهم، بإشباع مساحات أوسع من المحبة والرعاية، فهي قلقة من ناحية فتور عاطفة الأب ومحبته لأولاده، لذا تشعر أن من واجبها أن تكون هي الآمرة الناهية في غياب زوجها ولهجتها السائدة في البيت هي لهجة التراخي الخالي من الانضباط، فهي تعطف على الأولاد إلى حد أنها لا تريد أن تعمل على ضبطهم، وهكذا يتصرف الأبوان رمز السلطة، بشكل متباين متناقض وهذا يكون سبباً في ضياع الولد، لذلك ترى أن الاثنين قد خسراه، فهو لا يحترم أياً منهما، لأن كليهما نحر سلطة الآخر، وإن أشكال السلطة هذه المدمرة لذاتها، غالباً ما تصبح شحنة لقنبلة ثورية موقوتة تنفجر زمن البلوغ، وأعنف المراهقين الشرسين الذين عرفتهم في حياتي هم خليط متناقض كهذا. يقول المثل الشعبي: (ومن الحب ما قتل) فإذا كنا نريد أولاداً أصحاء يتحملون مسؤولياتهم، فما علينا إلا أن نكون معتدلين في المحبة.

ولكي نصل إلى هذا الهدف.. لا تكن قاسياً في بيتك على أولادك، كثير الصفعات لأتفه الأسباب، كثير النقد اللاذع المجرح، ولا تحاول أن تجعل أولادك الصغار يتصرفون تصرف الكبار، لكي تظهر لأهلك وأصدقائك الكبار مهارتك الأبوية، ولا تعاقب أولادك بصورة اعتباطية وأنت تصيح وتزعق، بدون أن يعلموا بأنهم ارتكبوا خطأ، ولا أنصحك ولا زوجتك الأم، أن تحيط هيبتك وسلطتك بعازل من الإرهاب والبرود، فهذه الفنون الحربية التي يلجأ لها الآباء لا تنجب أولاداً أصحاء قادرين على تحمل مسؤولياتهم، على النقيض فأنا أقترح مبدأ بسيطاً حين تواجه تحدياً عنيداً، يضمن لك النصر الأكيد وذلك متى سأل الولد: (من صاحب السلطة)، فقل له: بحزم وحين يدمدم: (من يحبني)؟. احتضنه وأحطه بما لديك من عاطفة وحب، عامله باحترام كأنه راشد كبير، عامله بإكرام وانتظره حتى يبادلك بالمثل.

عندها يلذ لك أن تجني ثمار ما زرعت، في دوحة المحبة... دوحة الطفولة والأبوة والأمومة المروية من كوثر العطاء الأبوي الذي لا ينضب، وحيث يجري ينشر الخضرة، ويزهر سعادة تشفي النفوس وتطمئنها، وتؤلق الفكر فيبدع. ويفوح عبقاً بالأماني والمستقبل.
إن إنشاء عمارة من الطوب والإسمنت أمر يحتاج إلى تعاون بين المهندس والعمال والفنيين، لتكون العمارة راسية الأسس صالحة للسكن. وإنشاء شخصية طفل يمتلك القدرة على منح الحب وأخذه مسألة تحتاج إلى الإحساس المتوازن من الأب والأم معاً... آباء وأمهات يعرفون أن الحب هو الطريق الصحيح للتحكم في تربية الأبناء وجعلهم أبناء أصحاء...

إن الابن هو اللحن الذي نعزفه نحن الآباء والأمهات، وعلينا أن نعزف هذا اللحن بثقة واقتدار.. ونحن نستطيع أن نفعل ذلك بمنتهى الهدوء، لأن هذا اللحن طويل جداً. فعمر تربية الأب والأم للابن لا يقل بحال عن واحد وعشرين عاماً، وهي أطول معزوفة بجهود كل أب وكل أم، وأحلامهما وتجاربهما وإبداعهما..

إن الحب نعمة سماوية عطرة تؤكد لنا أن الهدف من وجود الإنسان على هذه الأرض هو أن يحب بعضنا بعضاً، لنبني صروح المحبة والسلام.

لكن صانعي الحروب دأبهم إفساد فطرة الإنسان، فهم يهزمون من خلال الضعف البشري لغة التواصل البشري على وجه الأرض وهي الحب، ومع ذلك تبقى الحياة وتستمر، ويتجدد السؤال: كيف ننشئ طفلاً ليكون محبوباً، قادراً على أن يحب من حوله؟.
وكيف تكون محبة الطفل مفتاحاً للولوج إلى عالم فسيح ولحياة سعيدة كريمة، ليست سطحية أو مجرد "ديكور" اجتماعي، وأن يتعمق الحب في قلب الأطفال، بحيث يحولون الطاقة الكامنة في أعماقهم، إلى تعاون بالحب مع من حولهم، فيهزمون آلام البشرية، وآلام بعضهم بعضا، لينعموا بالسعادة والطمأنينة والاستقرار تحت خميلة المحبة.   More
التطرف في محبة الأبناء التطرف في محبة الأبناء Reviewed by Admin2 on 12:58 PM Rating: 5

Post AD